وهبة الزحيلي
297
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَمُلْكٍ لا يَبْلى أي قال الشيطان لآدم بنوع من الخفية : ألا أرشدك إلى شجرة الخلد : وهي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلا ، وإلى ملك دائم لا يزول ولا ينقضي . وكان ذلك كذبا من إبليس ليستدرجهما إلى معصية اللّه تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف 7 / 21 ] فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف 7 / 22 ] . جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد ، أخرج الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، ما يقطعها ، وهي شجرة الخلد » . فَأَكَلا مِنْها ، فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي فأكل آدم وحواء من الشجرة التي منعا من الأكل منها ، فانكشفت عورتهما وسقط عنهما لباسهما ، فشرعا يلصقان عليهما ويلزقان ورق التين ، فيجعلانه على سوآتهما ، وعصى آدم ربه أو خالف أمر ربه بالأكل من الشجرة المنهي عن الآكل منها ، فضلّ عن الصواب ، وفسد عليه عيشه . ولا شك بأن مخالفة الأمر الواجب معصية ، وأن الجزاء حق وعدل بسبب المعصية ، لكنها معصية من نوع خاص بترتيب وتدبير وإرادة اللّه عز وجل ، وفي حال نسيان آدم عهد اللّه إليه بألا يأكل من الشجرة ، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « حاجّ موسى آدم ، فقال له : أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم ؟ قال آدم : يا موسى ، أنت الذي اصطفاك اللّه برسالاته وبكلامه ، أتلومني على أمر كتبه اللّه عليّ ، قبل أن يخلقني ، أو قدره اللّه علي قبل أن يخلقني ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فحجّ آدم موسى » .